ابن أبي الحديد

228

شرح نهج البلاغة

قالوا ولا ريب أن الأعمال الجليلة العظيمة الثواب لا يتهيأ حصولها إلا بالمال ، كالحج والوقوف والصدقات والزكوات والجهاد . وقد جاء في الخبر : ( خير المال سكة مأبورة ( 1 ) أو مهرة مأمورة ) . وقالت الحكماء : المال يرفع صاحبه وإن كان وضيع النسب ، قليل الأدب وينصره وإن كان جبانا ، ويبسط لسانه وإن كان عيا ، به توصل الأرحام ، وتصان الاعراض ، وتظهر المروءة ، وتتم الرياسة ، ويعمر العالم ، وتبلغ الأغراض ، وتدرك المطالب ، وتنال المآرب ، يصلك إذا قطعك الناس ، وينصرك إذا خذلوك ، ويستعبد لك الأحرار ، ولولا المال لما بان كرم الكريم ، ولا ظهر لؤم اللئيم ، ولا شكر جواد ، ولا ذم بخيل ، ولا صين حريم ، ولا أدرك نعيم . وقال الشاعر : المال أنفع للفتى من علمه * والفقر أقتل للفتى من جهله ما ضر من رفع الدراهم قدره * جهل يناط إلى دناءة أصله وقال آخر : دعوت أخي فولى مشمئزا * ولبى درهمي لما دعوت وقال آخر : ولم أر أوفى ذمة من دراهمي * وأصدق عهدا في الأمور العظائم فكم خانني خل وثقت بعهده * وكان صديقا لي زمان الدراهم وقال آخر : أبو الأصفر المنقوش أنفع للفتى * من الأصل والعلم الخطير المقدم

--> ( 1 ) السكة : الطريقة . والمأبورة : الملقحة ، وانظر نهاية ابن الأثير 1 : 10 .